ذمار نت ـ وجوه
السبت، 17 أغسطس 2019م
بأغصان أشجارها الشائكة، وعلى كثبانها الرملية المتطايرة، وبواسطة عُلب الـ«بيبسي» الفارغة، رسم القائد العسكري اليمني، العميد حسن الملصي، خارطة اقتحام أعتى المواقع العسكرية السعودية في محافظة نجران. وتحت ظلال صخرة جبلية هناك، أشعل الملصي واحدةً من أهمّ معارك تغيير المعادلة في سفر الحروب السعودية - اليمنية عبر التاريخ، وخطّ هناك قواعد اشتباك جديدة، طارقاً أبواب نجران، فيما كان وزير الدفاع السعودي يطرق أبواب حكومات وشعوب أنحاء المعمورة، لـ«استئجار» جنود يُكلّفون بحماية حدود بلاده.
إختراق الخطوط الدفاعية
في الأيام الأولى لغارات طيران العدوان على اليمن منذ مارس 2015م، كان الملصي يتقدم صفوف المتطوعين في عمليات الإنقاذ، بعد كل غارة على أحياء سكنية في العاصمة صنعاء وضواحيها. ومن بين ركام غارات عاصفة الشر، انتشل الملصي، المكنى بـ«أبو حرب»، جثث يمنيين أطفالاً وشيوخاً، رجالاً ونساء. ومن هنا، أدرك القائد العسكري، المتخصص في مكافحة الإرهاب، أن مواجهة «العدو» في داره، والتقليل من فاعلية التفوق الجوي لقواته، هي أفضل خيارات المواجهة، فحزم أمتعته ونخبة من رفاقه منتصف أبريل 2015م ، ليؤسس ويرأس على حدود السعودية جبهة نجران، مخترقاً هناك سلسلة الخطوط الدفاعية ذات التقنية الحديثة، ومشعلاً حروباً ضروساً باستهداف عشرات المواقع والثكنات العسكرية للقوات السعودية.
مزار المقاتلين
نُقل عنه حينما سُئل عن عدم مشاركته في الجبهات الداخلية قوله: «لن يكون لي الشرف أن أرفع سلاحي في وجه أي يمني وأقتله ويقتلني». وبحسب مصادر قبلية مقربة من الملصي، فقد قُطع مرتب قائد وحدة مكافحة الإرهاب في القوات الخاصة اليمنية، العميد حسن الملصي، منذ بداية هيكلة الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي للقوات المسلحة. ومع ذلك، يُروى عن الملصي تقديمه «كل ما يملك» من أموال وسيارات وأسلحة لرفد جبهة نجران، التي دَفن «أبو حرب» بين رمالها نجله الأكبر، عبد اللطيف، في موقع الشرفة، ليبقى قبره هناك مزاراً للمقاتلين، و«شاهداً حياً على معاني التضحية في سبيل الأوطان»، وفق ما يقول هؤلاء.
مع الله والوطن
يرى محبو الملصي أن القائد العسكري «المحنك»، و«المجاهد المؤمن بعدالة قضية بلاده»، «أبو حرب»، جسّد، مع رفاقه العسكريين ومقاتلي «أنصار الله»، واحدة من «أبهى صور تلاحم الجبهة الداخلية، وذوبان مشاربهم الثقافية ومدارسهم القتالية النظامية - الجهادية، وانصهار أيديولوجياتهم السياسية، في بوتقة واحدة، لا ترى غير خطوط المواجهات لما وراء الحدود»، مسطّرين بذلك، وما زالوا، فصولاً جديدة في تاريخ الحروب السعودية - اليمنية. ويُروى عن «أبو حرب» قوله، ذات جدال بين رفقاء السلاح من حركة «أنصار الله» وآخرين من غير المنتمين للحركة، «لسنا مع السيد ولسنا مع الزعيم... نحن مع الله وللوطن».
مدرسة قتالية متنقلة
قيل عنه «أسد نجران»، «قاهر الجيش السعودي»، «الضرغام»، «مغوار الحدود»، «مدرسة عسكرية متكاملة»، «أسطورة الحرب»، «فاتح نجران»، «قائد النصر العظيم» في ما وراء الحدود. وعُرف عنه قربه إلى جنوده، وتواضعه، وشجاعته. هو «ذو كرم وأخلاق، بشوش الوجه، كريم النفس، رطب اللسان، قائد مقدام لا تمنعه جراحه عن القتال، ولا يكتفي برسم الخطط وقواعد الإشتباك، بل يتقدم صفوف المقاتلين مطلقاً رصاصة الإنتصار الأولى» بحسب ما يقول المقربون منه.
من سيرة الملصي
ولد العميد الركن حسن عبد الله محمد الملصي (أبو حرب) عام 1975م في قرية رُبد في عزلة وادي الأجبار بمديرية سنحان في محافظة صنعاء. له 5 أولاد وبنت وحيدة. تلقى تعلميه الثانوي في مدرسة الشعب بصنعاء. وعام 1998م، تخرج من الكلية البحرية ليلتحق بصفوف القوات الخاصة، قبل أن يشغل هناك منصب قائد كتيبة مكافحة الإرهاب.
وبحسب المعلومات المتوفرة، فقد حصل الملصي على البكالوريوس في العلوم العسكرية من الأردن عام 2009م، وكان لافتاً تفوقه عند تلقيه سلسلة دورات تدريبية تخصصية، مثل دورة الصاعقة، مظلات عام 2000م، قادة كتائب 2003، مكافحة إرهاب 2004م، قادة ألوية عام 2006، وحصد «أبو حرب» العديد من الأوسمة والنياشين والشهائد التقديرية، منها وسام الشجاعة.
في المقدمة
خاض «أبو حرب» العديد من المعارك في الجبهات الحدودية، متقدماً صفوفها الأمامية، وأصيب عدة مرات قبل إعلان استشهاده بغارة جوية لطيران العدوان في موقع نهوقة بنجران، في الـ22 من سبتمبر 2016م، لتبقى «الحرب يا أبو حرب بعدك تشعل»، كما أعلن رفاقه، فيما رثاه الشاعر، معاذ الجنيد، بقصيدة نقتطف منها:
«قُلنا أبو حرب فاصطفّت بنادقُنا
وعبّرت للعِدا عن شوقها الجُعبُ
في كل يومٍ ألاقي منك أربعةً
وفي الحدود مئاتٌ... أنتَ إن حُسبوا
***
يا صرخة لم تزل تعلو مُدوية
جبال نجران حتى الآن تضطربُ
على ذراعيك تسترخي الحروبُ وهل
سوى أبي حرب للحرب الضروس أبُ
أبراجهُم تتدلى منك دانيةً
قُطوفها لكَ يا مُلصِّيها عِنبُ
***
