القائمة الرئيسية

الصفحات

ذكرى أكتوبر في الجنوب: الإستعمار بالإستحمار


ذمار نت ــ تقارير ــ فؤاد الجنيد


ستة وخمسون عاماً على إنطلاق ثورة جنوب اليمن ضد الإستعمار البريطاني تكاثرت فيها الأحداث وتغيّرت الشخصيات وتبدّلت المعادلات، إلا أنها عادت لتستقر عند النقطة الصفر: جنوب اليمن تحت الإحتلال من جديد، يبدو الأمر أشبه ما يكون بإعادة عرض لشريط ظنّ كثيرون أنه بات طيّ الذاكرة. وكل ما في تفاصيل واقع اليوم يتحدث عن غاز ٍ محتل أمين لسلفه، مخلص لمصالحه، حتى ليظهر أحياناً أنه ليس أكثر من وكيل له، حيث تتعدد مظاهر عودة الغازي البريطاني، ومعه وريثه الأميركي، عبر شريكهما الإماراتي.

بين 14 أكتوبر 1963م، و 14 أكتوبر 2019م، متشابهات وفيرة، فما أسّست له بريطانيا من هويات مصطنعة عن طريق دعمها حكم السلطنات الذي كان قائماً إبان استعمارها جنوب اليمن، يعود اليوم في صورة تشكيلات وتسميات تعزز الانتماءات المناطقية والمشيخية، فالواقع الأمني والسياسي في الجنوب اليوم، يشبه تماماً خريطة الأوضاع إبان الاستعمار البريطاني ،وتظهر المقارنة التاريخية إستعادة الإماراتيين الأوراق البريطانية نفسها في تلك الحقبة، وخصوصاً أسلوب تفريخ التشكيلات العسكرية ومجالس الحكم المناطقية المتفرقة، وإحكام السيطرة على الجزر الإستراتيجية. على خطّ مواز، تجد الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة سانحة لتحقيق الحلم الذي راودها مراراً بالسيطرة على السواحل والجزر اليمنية، وإن كل ما تطمع فيه، خصوصاً في المواقع الاستراتيجية «كأرخبيل سقطرى»، بات عملياً تحت سيطرتها بـفضل حليفها الإماراتي، وأنّى تجد الإماراتيين تجد من خلفهم الأميركيين.

هذا الفهم لطبيعة ما يدور في المحافظات الجنوبية المزعوم انها "محررة" يبدو أنه آخذ في التنامي، شيئاً فشيئاً، ويتكرر مشهد اليوم المتمثل في طابور طويل من المنتفعين والمهادنين للمستعمر، فشركاء الثورة على الإستعمار البريطاني بعضهم بات مدافعاً شرساً عن الاحتلال الإماراتي، مزايداً عليه في التنظير لوجوده، في مفارقة أقرب إلى إثارة الإشفاق منها إلى السخط، وبعضهم الآخر يحاول عبور حقول الألغام تلك بأقل قدر من التكاليف من دون أن تفلح جهوده إلى الآن، فيما بعضهم الثالث يسير في طريق المواجهة التي تشي التطورات الأخيرة في مدينة عدن، والتي برزت خلالها لهجة غير مسبوقة ضد الاحتلال، بأنها آتية على الأرجح. اليوم، وبعد مرور نصف قرن من تلك الثورة الخالدة، فـان "الزمن الجميل" لآخر جبهات التحرير والتحرر من أطول الاستعمارات في المنطقة (128 عاماً)، ذهب ادراج الرياح، وما بقي من تلك الحقبة مسميات وشعارات ونجمة حمراء، أعيد تدويرها اليوم تحت المسمى نفسه: "المقاومة الجنوبية"، ولو كانت "مقاومة" لما وجدناها في خندق واحد مع المحتلين الجدد. حيث أن هؤلاء المحتلين هم "محرِّرون"، وفق مقتضيات انقلاب المفاهيم وتبدل الأدوار
بالعودة إلى عام 1963م، عام اندلاع الثورة اليمنية ضد المستعمر البريطاني، يتكرر مشهد اليوم المتمثل بطابور طويل من المنتفعين والمهادنين للمستعمر، لكن مع استعادة تاريخ ليس بقديم، فإن الطامعين ليسوا بمأمن من خروج مقاومة جدية، تلاقي استجابة حقيقية من الشمال، ولو بعد حين، وهو ما يشهد عليه 14 أكتوبر من كل عام.

كم هو مؤلم أن نرى الجغرافيا اليمنية تتقطع أوصالاً ونكتفي بالمزايدة والمكابرة، ونشاهد تاريخنا يُحرّف ويُزيف ونكتفي بالتنظير والتطنيش، في حين اختُزلت الوطنية والوحدة في مصنعين للإسمنت لم يسلما هما الآخران من القصف والتدمير .. وبالعودة إلى شرارة أكتوبر الوقادة، نرى ثورة طمح إليها شباب مثقفون، وأشعلت فتيلها مشادة بين شيخ قبلي تقليدي، ومعه 12 من مرافقيه، ونقطة عسكرية بريطانية، أفضت إلى ثورة، أجبرت الإمبراطورية، التي لا تغيب عنها الشمس على الرحيل من جنوب اليمن، بعد تلك الحادثة بأربع سنوات فقط. اليوم يشترك الشيخ والمثقف والسياسي وحتى رجل الدين في بيع الوطن مجاهرة ويعدون ذلك من دواعي الفخر ومباعث البطولة خصوصا لو توجت بمجازر حمراء، أطباقها اشلاء نساء وأطفال، وتوابلها صراخ طفل وبكاء ثكلى وتنهيدة كهل ومسن..
لأولئك جميعا:
"لن تمروا دون عقاب" ..